قارن: سعيد رينولدز، غ. وقولي قرائي، ع. (٢٠١٨). القرآن والكتاب المقدس. الولايات المتحدة: جامعة ييل. ص ٧٨٧.
(Said Reynolds, G & Quli Qarai, A. (2018). The Quran & The Bible. USA: Yale University. p. 787.)
قارن: سعيد رينولدز، غ. وقولي قرائي، ع. (٢٠١٨). القرآن والكتاب المقدس. الولايات المتحدة: جامعة ييل. ص ٧٨٧.
تُعدّ قصة أول لقاء للشاب سلمان رشدي في كامبريدج بالقصة الكلاسيكية المعروفة بـ«الآيات الشيطانية» (The Satanic Verses)، التي ألهمت روايته في نهاية المطاف (الصادرة عام ١٩٨٨)، قصةً طريفة حقًّا، وقد فصّلها في مذكراته «جوزف أنطون» (٢٠١٢).
كان رشدي في العشرين من عمره فحسب، وكان يريد أن يدرس مقررًا في التاريخ الإسلامي. فعُرض مقرر في ذلك، غير أن الإقبال عليه كان ضعيفًا فأُلغي. لكنه ألحّ حتى عُرض عليه مقرر يكون فيه الطالب الوحيد. وأكثر ما استوقفني أن الذي درّسه لم يكن مستشرقًا ولا مؤرخًا للعالم الإسلامي، بل مؤرخًا متخصصًا في العصور الوسطى يُدعى آرثر هيبرت.
والأرجح، فيما أرى، أن النسخة من قصة «الآيات الشيطانية» التي وقع عليها رشدي أول مرة هي القصة التي رواها أحد أوائل كتّاب سيرة محمد، وهو رجل من المدينة اسمه ابن إسحاق (ت. ٧٦٧). اقرأها هنا (ص ١٦٥): https://archive.org/details/GuillaumeATheLifeOfMuhammad/page/n104/mode/1up
لكنها رواية مبكرة جدًّا. فالآيات الشيطانية تُعرف في التراث الإسلامي بـ«قصة الغرانيق». وهي تروي الحادثة التي اختلطت فيها على محمد (ت. ٦٣٢م) وساوس الشيطان بـ«الوحي الإلهي». ويُروى أن تلك الوساوس حملته على النطق بآيات في تعظيم أصنام مكة في القرن السابع، فأقرّ لها بالقدرة على الشفاعة عند الله. ويرى عدد من المتخصصين الأكاديميين في الإسلام أن الحادثة من صنع الخيال الأدبي لدى أوائل كتّاب السيرة والمؤرخين المسلمين.
وفي مقابل القائلين بالاختلاق الأدبي، يرى أكثر المؤرخين الغربيين أن الحادثة تاريخية في جوهرها، وبحجة واحدة: يُستبعد أن يختلق المسلمون قصة تضرّ بنبيّهم إلى هذا الحد. وهذا رأي موير («حياة محمد»، ج ٢، الفصل ٥، ص ١٥٠–١٥٤)، ووات («محمد في مكة»، ص ١٠٣–١٠٤؛ «محمد: النبي ورجل الدولة»، ص ٦١)، ورودنسون («محمد»، ص ١٠٦)، وبيترز («محمد وأصول الإسلام»، مطبعة جامعة ولاية نيويورك، ١٩٩٤، ص ١٦٠–١٦١)، وغيّوم («الإسلام»، ص ٣٥–٣٦)، والإيراني علي دشتي («ثلاث وعشرون سنة»، ص ٣١–٣٢).
ومن ذلك مثلًا رواية أقصر رواها أستاذ ابن إسحاق، ابن شهاب الزهري (ت. ٧٤٢)، وهو عالم مدني موقَّر من قريش، قبيلة محمد. على أن مصدر رشدي الفعلي لهذه القصة كان في الأغلب كتابًا للمستشرق الاسكتلندي وليام مونتغمري وات عنوانه «محمد في مكة». وقد اشتهر علم وات (وذمّه بعضهم) بمنهجه الساخر الذي يتعهّد بألا يقول «شيئًا يقتضي رفض أيٍّ من العقائد الأساسية للإسلام».
ثم ما معنى أن نقول إن حادثة «الآيات الشيطانية» واردة في التراث الإسلامي؟ معناه أن المصادر التاريخية الإسلامية، وهي التي تجمع الذاكرة الثقافية للجماعة المسلمة الأولى وتنقلها وتحفظها، دوّنت هذه الحادثة وأخبرت بها. وبين أيدينا ما لا يقل عن خمسين خبرًا تاريخيًّا من القرنين الأولين للإسلام (نحو ٦١٠–٨١٠م) تصف بالتفصيل المناسبة التي يُزعم أن محمدًا اختلطت عليه فيها خديعة الشيطان بأمر الله، فبدّل بذلك رسالة القرآن. وتُعرف هذه الأخبار الخمسون وما يزيد عليها بـ«الروايات» (الرواية). والرواية هنا مدوّنة في إحدى أقدم سِيَر محمد وأوثقها، لابن إسحاق الذي توفي سنة ٧٧٣م. والنص الكامل متوفر في ترجمة إنجليزية (انظر: غيّوم، أ. (١٩٥٥). حياة محمد: ترجمة لسيرة رسول الله لابن إسحاق. باكستان: مطبعة جامعة أكسفورد. ص ١٦٥–١٦٧). والرواية طويلة نوعًا ما، لكن القراءة المتأنية تكشف عن الوحدات والعناصر السردية الآتية. أما سائر الروايات فلها الخطوط العامة نفسها، مع فروق ملحوظة في الصياغة وبعض الروايات المخالفة، وهذه لا تعنينا هنا.
وقد دوّن أخبار حادثة الآيات الشيطانية جميع كتّاب سيرة محمد تقريبًا في القرنين الأولين للإسلام:
عروة بن الزبير، وابن شهاب الزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، وأبو معشر، ويونس بن بكير، والواقدي.
وكذلك دوّنها مفسرو القرآن في القرنين الأولين للإسلام:
أبو العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، والضحاك، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والحسن البصري، وقتادة، وأبو صالح، وعطية العوفي، والسدي، والكلبي، ومقاتل، وابن جريج، ومعمر بن راشد، ويحيى البصري.
وقد رواها ستة منهم عن عبد الله بن عباس، باتساق لافت. وكان ابن عباس صحابيًّا مقرَّبًا من محمد وعالمًا.
ويتبيّن من دراسة تاريخ تناقل الحادثة أنها شاعت ورُويت في القرنين الأولين للإسلام في معظم المراكز الفكرية الكبرى تقريبًا، من الحجاز إلى الشام والعراق وشرق الأردن وشمال أفريقيا. فقد علمت بالحادثة المدنُ الكبرى كلها في العالم الإسلامي وقبلتها على أنها صحيحة، ومنها المدينة ومكة والبصرة والكوفة وبغداد والري وبلخ وسمرقند ومرو وصنعاء والفسطاط والقيروان. فلِمَ قُبل خبر محرج على أنه صحيح؟ ولفهم أسباب تقبّل المسلمين الأوائل المبكر للآيات الشيطانية، لا بدّ أن نفهم لماذا رفضها المسلمون المتأخرون.
رفض المسلمون المتأخرون الحادثة بوصفها «منحولة» و«بغيضة» من الناحية اللاهوتية استنادًا إلى اعتبارين، أحدهما أن محمدًا كان «في حفظ الله»، فهو في رأيهم معصوم لا يخطئ في تبليغ الوحي. لكن هذا يستدعي السؤال: لماذا نقل المسلمون الأوائل قصة كهذه إن كانت في الواقع اختلاقًا أدبيًّا من خيال خصب؟ وهنا ينبغي أن ندرك أن الذاكرة الإسلامية المبكرة (ومنها سيرة محمد) حُفظت عبر ثلاثة خطابات متمايزة، أي إن الروايات التاريخية الأولى عن الإسلام وعن سيرة محمد انقسمت إلى ثلاثة مناهج مختلفة، كثيرًا ما تتباين، في حفظ التاريخ. وتُسمّى هذه الخطابات الثلاثة الحديث والسيرة والتفسير. وخبر «الآيات الشيطانية» مروي في نمطَي الكتابة التاريخية اللذين يدخلان في السيرة والتفسير؛ فالأول يصف سيرة محمد وحياته، والثاني شرح للقرآن وتفسير له. ولم يكن همّ علماء السيرة والتفسير الأول وضعَ أحكام الشريعة وقواعد الممارسة الدينية للمسلمين، بل بناءَ سردية للملحمة التاريخية والأخلاقية لحياة محمد وهو يكافح كفاحًا بطوليًّا لإقامة الدين الإلهي. والسيرة، التي تضم كثيرًا من أخبار «الآيات الشيطانية»، ليست الأثر الوحيد للحادثة؛ ففي الحديث صيغة مهذَّبة منها: فعن ابن عباس أن محمدًا سجد عند قراءة سورة النجم وسجد معه «المسلمون والمشركون والجن والإنس» (البخاري)، وعن ابن مسعود أن رجلًا واحدًا فقط امتنع وأخذ كفًّا من تراب فرفعه إلى جبهته (البخاري، مسلم). وليس في أيٍّ من هذين الخبرين تعليل لسجود المشركين، مع أن السورة، بصيغتها التي تُقرأ اليوم، تقرّع آلهتهم. ويرى أوري روبين أن هذين الخبرين المختصرين هما ما بقي من قصة الإغواء الأصلية، وقد صارت نادرة طقسية لا خطر فيها؛ فالشيخ الذي حاول مخلصًا أن ينضم إليهم (الوليد في رواية ابن إسحاق) صار خصمًا ساخرًا (أمية بن خلف في رواية ابن مسعود).
وكانت العبادة الشعبية قبل الإسلام تتوجه إلى ثلاث إلهات عُددن «بنات إيلاه (الله)» [١]، إلى جانب آلهة قبلية كثيرة أخرى. ويرفضها القرآن رفضًا تامًّا في ٥٣: ٢١–٢٣. غير أن المسلمين الأقدمين أنفسهم يروون أن الشيطان ألقى على لسان محمد، لما كان يتلو الآيتين ١٩–٢٠ في مكة، كلمات تعترف بهن شفيعات:
| Berlin, Staatsbibliothek: Wetzstein II 1913 folio 184v. |
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰۤ
دوّنتها المصادر الإسلامية ذاتها لا خصومها. فسِيَر القرنين الأولين للإسلام وتفاسيرهما تحفظها بفروق يسيرة ونواة ثابتة (الغرانيق العلى وذكر الشفاعة عند الله). فليست إذن تهمة من الخارج، بل ذكرى احتفظت بها الجماعة المسلمة عن نفسها. وأشهر صيغها:
تلكَ الغَرانيقُ العُلَى وإنَّ شفاعتَهُنَّ لتُرتَجى
[٢] [٣]
والقرآن الذي يُتلى اليوم لا أثر فيه لهذه العبارة، والمفارقة ليست هيّنة: فالسورة التي تفتتح بإعلان أن محمدًا «لا ينطق عن الهوى» وأن ما يقوله «إن هو إلا وحي يوحى» (٥٣: ٣–٤) هي نفسها، بحسب كتّاب سيرته، السورة التي نطق فيها لحظةً بصوت غيره. فبعد ذكر مناة ينتقل النص المصحفي من الإلهات إلى السخرية من نسبتهن إلى الله دون أي فاصل ظاهر، وتختزل السخرية «بنات الله» إلى مجرد أسماء ابتدعها المشركون وآباؤهم (٥٣: ٢٣). وإن كان النص المثبَّت قد صقل موضع الوصل، فإن ذلك لم يمنع التراث من حفظ أثر الغُرزة، وقد حفظته الجماعة التي كانت أشدّ الناس تضررًا بذلك. أما السخرية كما يحفظها النص المصحفي فهي:
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)
قارن: سعيد رينولدز، غ. وقولي قرائي، ع. (٢٠١٨). القرآن والكتاب المقدس. الولايات المتحدة: جامعة ييل. ص ٧٨٦.
وتُسمّى هذه «الآيات الشيطانية» (قصة الغرانيق). وفي العصر الحديث اتخذ سلمان رشدي هذه التسمية وحدها عنوانًا لـ«روايته» الخيالية التي لا صلة لها بما نحن فيه، وهذا المقال لا يتناول تلك الحكاية الحديثة. أما الآيات الشيطانية الأصلية فتتعلق بالإلهات-الأصنام الثلاث: اللات (ٱللَّٰتَ – אללאת) والعزّى (ٱلۡعُزَّىٰ – אלעזי) ومناة (مَنَوٰةَ – מנאת). وهذه هي «الآيات الشيطانية»، والمعنى الضمني للحادثة أن محمدًا كان يتراجع عن توحيده الصارم فيما عدا ذلك، فيقول إن هؤلاء الإلهات حقيقيات وإن شفاعتهن نافعة. وكانت أسماء هذه الإلهات الثلاث، وقد عُبدن في أماكن مختلفة من بلاد العرب، تمثل النواة الرئيسة لمجمع آلهة أهل مكة قبل الإسلام، وكانوا يسمونهن «بنات الله». فكان للات مزارها الرئيس في الطائف، حيث عُبدت على هيئة صخرة مربعة وُصفت بأنها كتلة من الغرانيت الأبيض. ويذكرها هيرودوت بصيغة «Ἀλιλάτ» (التواريخ ١.١٣١ و٣.٨)، وكان يُقسَم بها كثيرًا. وللعزّى («الأعزّ») مزارها الرئيس في نخلة قرب مكة: بستان مقدس من ثلاث سمرات، بُني بجواره حرم. أما مناة («القدر») فكانت تُعبد في المُشلَّل عند قُديد على ساحل البحر الأحمر بين مكة والمدينة، وكان صنمها حجرًا أسود عظيمًا.
يصوّر هذا النقش البارز ثلاث نساء يقفن فوق أسد واقف يزأر. وتظهر في الوسط اللات (وتُعرف أيضًا بـ«ألّات» و«ألّاتو» و«أليلات») مرتديةً زيًّا حربيًّا بديعًا وقلنسوة على رأسها (على غرار أثينا). وهي تمسك رمحًا طويلًا بذراعها اليمنى ودرعًا بيدها اليسرى. ويظهر على صدرها رأس ميدوسا. وتقف اللات على قدميها كلتيهما. وعلى جانبيها امرأتان أصغر حجمًا، ترفع كل منهما يدها اليمنى تحيةً وتمسك بيدها اليسرى ثوبًا أنيقًا فترفعه. وتقفان كذلك على القدم اليسرى والقدم اليمنى مسترخية قليلًا، بخلاف اللات. ولا يُعرف أتمثّلان متعبِّدتين أم الإلهتين مناة والعزّى. من المعبد الخامس في الحضر، محافظة نينوى، العراق. العصر البارثي، من القرن الأول إلى الثالث الميلادي. معروض في المتحف العراقي في بغداد، العراق.
ولذا، بحسب التراث الإسلامي، لما أرى جبريل محمدًا خطأه ورجع عنه، مصرّحًا بأن تلك الكلمات لم يوحِ بها الله وإنما ألقاها الشيطان، فإن الآية، بمقتضى مبدأ النسخ والإبطال في الآيات (سورة ٢: ١٠٦)، تُلغى. وجاء «وحي إلهي» صحيح فحلّ محل هاتين «الآيتين الشيطانيتين» وهما الآيتان ٢١–٢٢ الحاليتان. ومع ذلك فبعض المواضع القرآنية (١٧: ٧٣–٧٤ و٢٢: ٥٢)، على ما جاء فيها:
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْـًٔا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)
(١٧: ٧٣–٧٥)
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيِّن إلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
(٢٢: ٥٢)
تبدو هذه المواضع مؤيِّدةً لوجاهة هذا الخبر الذي أصله إسلامي خالص، بل إن سورة ٧١: ٢٣ تذكر أسماء آلهة أخرى، إذ جاء فيها:
وَقَالُوا۟ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّۭا وَلَا سُوَاعًۭا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرًۭا
ويذكر تفسير الجلالين أن ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء أصنام عبدها قوم نوح، بحسب الآية ٢٣ من هذه السورة. ويذهب بعض العلماء المسلمين إلى أنها بالأحرى أسماء أصنام عبدها عرب زمن محمد. وفي التلمود تقليد عن خمسة بيوت لعبادة الأصنام، أحدها، في «بلاد العرب» (ويُطلق المصطلح هنا على منطقة واسعة)، يسمى (بالآرامية) نِشرا – נשרא، ويُرجَّح أن له صلة بما جاء في هذه الآية من ذكر «نسر» (أي «العقاب»)، كما ورد في التلمود البابلي، مسخت عفودا زرا ١١ب:
אמר רב חנן בר רב חסדא אמר רב, ואמרי לה [ויש אומרים] שאמר זאת רב חנן בר רבא אמר רב: חמשה בתי עבודה זרה קבועין הן, אלו הן: בית בל בבבל, בית נבו בעיר כורסי, תרעתא שבעיר מפג, צריפא שבאשקלון, נשרא שבערביא. כי אתא [כאשר בא] רב דימי מארץ ישראל לבבל אמר: הוסיפו עליהן את יריד שבעין בכי, נדבכה שבעכו. איכא דאמרי [יש שאומרים] שהיה שונה: נתברא שבעכו. רב דימי מנהרדעא מתני איפכא [היה שונה להיפך]: יריד שבעכו, נדבכה שבעין בכי.
§ قال رب حنان بن رب حسدا: قال رب — وقال بعضهم إن القائل هو رب حنان بن رابا، قال رب —: خمسة بيوت لعبادة الأصنام قارّة، وهي: بيت بِل في بابل، وبيت نَبو في مدينة كورسي، وتَرعتا التي في مدينة مَفَّغ، وصريفا التي في أشقلون، ونِشرا التي في بلاد العرب (في بلخا). ولما جاء رب ديمي من أرض إسرائيل إلى بابل قال: زادوا عليها السوق التي في عين بكي، ونَدبَكة التي في عكا. وقال بعضهم إنه كان يروي: نَتبرا التي في عكا. أما رب ديمي من نهردعا فيروي على العكس: السوق التي في عكا، ونَدبَكة التي في عين بكي.
ويشير جيرالد هوتنغ («فكرة الوثنية»، ١١٥) إلى تعليق في «تعليم أدّاي» السرياني، من القرن الرابع أو الخامس، بأن «العرب» يعبدون نَشرا («العقاب»). انظر: «تعليم أدّاي»، ٢٤.
ولم تَخْفَ تبعات ذلك على الدارسين. فألفرد غيّوم يسلّم بأن الحادثة تفتح بابًا للتساؤل: أيمكن أن يكون محمد قد أخطأ فظنّ أقوالًا أخرى له وحيًا؟ ويضيف أن القرآن نفسه يقرّ بأن هذا كان مصير الأنبياء المحتمل (٢٢: ٥٢) (غيّوم، «الإسلام» [بنغوين بوكس، طبعة مصوّرة، ١٩٩٠]، ص ٣٥–٣٦). ويروي بنيامين ووكر أن خصومه أثاروا الشك نفسه: فإن كانت بعض الآيات قد جاءت من الشيطان، فمن أين يُعلم أن سائرها لم يأتِ منه؟ (ووكر، «أسس الإسلام»، ص ١١٠–١١١). وكان الجواب القرآني أن الشيطان تدخّل كذلك في وحي الأنبياء السابقين (٢٢: ٥٢)، وأن ما كان يعلّمه محمد لم يكن قول شيطان رجيم (٨١: ٢٥).
إن محمدًا «هَشَّكَان» تكلم باسم الله ثم أقرّ بأنه إنما نطق بكلام الشيطان، وفي مثل ذلك تحذّرنا التوراة:
سعديا غاؤون، تفسير تثنية ١٨: ٢٠، في: إسحاق بن إبراهيم محفوظ، التوراة مع الترجوم والتفسير ورشي، ج ٥ (التثنية)، اليمن، القرن الثامن عشر، المخطوط العبري Ms. hebr. oct. 189، الورقة ٥٠ وجه، مكتبة جامعة يوهان كريستيان زنكنبرغ، جامعة غوته في فرانكفورت أم ماين.
אַךְ הַנָּבִיא אֲשֶׁר יָזִיד לְדַבֵּר דָּבָר בִּשְׁמִי אֵת אֲשֶׁר לֹא-צִוִּיתִיו לְדַבֵּר וַאֲשֶׁר יְדַבֵּר בְּשֵׁם אֱלֹהִים אֲחֵרִים וּמֵת הַנָּבִיא הַהוּא
فرشة شوفطيم، سفر ديفاريم (التثنية) ١٨: ٢٠.
ואי מתנבי תווקח פתקוול קולא עני. מא לם אמרה אן יקולה. ומן יתנבא למעבודאת אכר פליקתל דאליך אלמתנבי
תפסיר רס"ג, דברים יט שפטים ושטרים
واي متنبي تووقح فتقوول قولا عني. ما لم امره ان يقوله. ومن يتنبا لمعبودات اكر فليقتل داليك المتنبي
تفسير رس"ج، دبريم يط شفطيم وشطريم
وقد تنبّأ محمد باسم الأصنام، ثم حاول بعد ذلك تدارك هذا الخطأ بإسناده إلى الشيطان. ثم صحّح محمد لاحقًا هذا الأثر الوثني ونبذه.
تسويغ أهل السنة، ورأي الرمبام (موسى بن ميمون) ورأي رب يهودا هليفي.
تروي أخبار حفظها الطبري والواقدي وابن سعد أن محمدًا، لما كان يتلو سورة النجم على جمع من كبار قريش — اجتماع كبار رجال مكة —، ألقى الشيطان على لسانه عبارة تعترف باللات والعزّى ومناة. وتعبّر المصادر عن ذلك بالصيغة:
أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمَنِيَّتِهِ
أو، في روايات أخرى، أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ.
وقد امتلكته الأرواح النجسة؛ فلما سمع كبار قريش ذلك فرحوا، إذ فهموا أن آلهتهم قد نالت الاعتراف. فلما أتمّ محمد تلاوة سورة النجم قال:
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا
(٥٣: ٦٢)
فسجد المسلمون والمشركون معًا. وبلغ خبر هذا السجود، بحسب ابن إسحاق والطبري وابن سعد، المهاجرين إلى الحبشة، فظنوا أن قريشًا قد أسلمت، وعاد بعضهم. ويزيد ابن سعد، وكذلك رواية أبي معشر، أن الأشراف قالوا إن محمدًا إن أعطى آلهتهم نصيبًا اتبعوه. ويلاحظ موير أن عودة المهاجرين بسبب تلك الإشاعة واقعة يقرّ بها الجميع، وأن رواية الواقدي والطبري هي التعليل المعقول الوحيد لها. وفي مساء اليوم نفسه، بحسب التراث، جاء جبريل إلى محمد وقال له:
يَا مُحَمَّدُ! مَاذَا صَنَعْتَ؟ لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقُلْتَ مَا لَمْ يُقَلْ لَكَ
(أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر (القاهرة: دار المعارف، ١٩٥٤)، ج ١٧، ص ١٨٦–١٨٨، تفسير سورة الحج ٢٢: ٥٢.)
فاغتمّ محمد من هذا العتاب. ثم ربط التراث التفسيري الحادثةَ بالآية ٢٢: ٥٢:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمَنِيَّتِهِ ۖ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ
(٢٢: ٥٢)
ولم يقف التفسير اللاحق عند نقل الخبر. فالزمخشري، المفسر المعتزلي، يرويه بتفصيل: يذكر رغبةً في مصالحة قريش، ولسانًا سبق دون أن يشعر، وعصمةً لم تدرك محمدًا إلا بعد ذلك (غيتيه، «القرآن وتفسيره»، ص ٥٣–٥٥). وأما تفسير الجلالين، وهو من أوسع التفاسير ذيوعًا في العالم السني، فيورده سببًا لنزول ٢٢: ٥٢ ويصرّح بأن الشيطان ألقى الكلمات على لسانه دون علمه.
وإزاء هذه التفسيرات التي يقدمها أهل السنة لهذا النص، نجد في العصور الوسطى، مثلًا، الرمبام (ميمونيدس) يعدّ محمدًا مجنونًا، ففي رسالة اليمن (إغيرت تيمان) يشير إلى محمد بلقب «משוגע» (مشوغا، أي مجنون)، وذلك في الفصل ١٥:
ודניאל סוף מה שספר מלכות ישמעאל ועמידת מחמד ואחריו ביאת הגואל בסמוך. וכן ישעיהו ביאר שהראיה על ביאת המשיח היא הראות משוגע
أبراهام س. هالكين (محقق)، رسالة موسى بن ميمون إلى اليمن: الأصل العربي والنسخ العبرية الثلاث (نيويورك، ١٩٥٢)؛ قارن: حمدان دماج، «رسالة اليمن: الميل القومي والديني للفيلسوف ميمونيدس»، تبيّن ٥، العدد ٢١ (صيف ٢٠١٧): ٣٨.
وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في مقال «قراءة ميمونيدس للقرآن: محمد نبيًّا أم مجنونًا؟».
ومن جهة أخرى، فإن الحاخام الأندلسي رب يهودا هليفي يصف محمدًا في كتابه سفر هكوزاري (ספר הכוזרי)، المعروف أيضًا بـ كتاب الرد والدليل في الدين الذليل (כתאב אלרד ואלדליל פי אלדין אלד'ליל)، في المقالة الرابعة، ١١، بعبارة «متفلسفين في جانب الله» (מתפלספין פי גאנב אללה – متفلسفين في جانب الله) (انظر: هل المسلمون نوحيّون؟ هل الوصايا السبع لنوح في القرآن؟).
وأخيرًا، فإن الرمبام، مع ثنائه على تدين الإسماعيليين (المسلمين)، يعلّم أن الإسلام جزء من خطة الله لتهيئة العالم لعصر المسيح، ولكن محمدًا ليس نبيًّا، على ما جاء في «يَد حزاقة» أو «مشنه توراه»، هلخوت ملاخيم وملحموت ١١: ٧:
ושל זה הישמעאלי שעמד אחריו--אינן אלא ליישר דרך למלך המשיח, ולתקן את העולם כולו לעבוד את ה' ביחד: שנאמר "כי אז אהפוך אל עמים, שפה ברורה, לקרוא כולם בשם ה', ולעובדו שכם אחד" (ראה צפניה ג,ט).
«...وأمر هذا الإسماعيلي (محمد) الذي قام بعده ليس إلا لتقويم الطريق للملك المسيح، وإصلاح العالم كله ليعبد الرب معًا، كما قيل: ”لأني حينئذ أحوّل الشعوب إلى شفة نقية ليدعوا كلهم باسم الرب ويعبدوه بكتف واحدة“ (انظر: صفنيا ٣: ٩)».
_______________________
[١] بعد التنبيه على أن محمدًا أوتي فهمًا تامًّا لبعض أعمق الحقائق، يلفت القرآن انتباهنا إلى رموز معينة كثيرًا ما يختارها الناس ليخلعوا عليها صفات الألوهية وقدراتها: وهي هنا، على سبيل المثال، الصور التجديفية التي كان يتخيّلها معاصرو محمد من الوثنيين، ممثَّلةً في الإلهات الثلاث: اللات والعزّى ومناة. وهؤلاء الإلهات الثلاث، وكان وثنيو العرب يعدّونهن «بنات الله» مع الملائكة (الذين عُدّوا هم أيضًا مؤنثين)، كنّ يُعبدن في أغلب بلاد العرب قبل الإسلام، ولهن عدة مزارات في الحجاز ونجد. وكانت عبادة اللات قديمة بوجه خاص، وتعود على الأرجح إلى جنوب بلاد العرب؛ وربما كانت الأنموذج الأول لنصف الإلهة اليونانية ليتو، إحدى زوجات زيوس، وأم أبولو وأرتميس.
[٢] הקוראן (هقرآن)، ترجمه من العربية (إلى العبرية) أوري روبين، جامعة تل أبيب، منشورات لاور، وفيه:
מה תחשבו על אללאת, אלעזי, (כ) ומנאת, האליל השלישי
ويشرح تسفي حاييم في الحاشية رقم ١٧٤٩ أن هذه الأسماء هي أسماء الأصنام الثلاثة المؤنثة:
שמות שלוש אלילים נקבות, אשר פסיליהן נעבדו בהיכל הקאאבא לעת בוא מחמד
«أسماء ثلاثة أصنام مؤنثة، كانت تماثيلها المنحوتة (פסיליהן) تُعبد في هيكل (היכל) الكعبة عند مجيء محمد».
قارن: ريكندورف، مجهول / تسفي حاييم هرمان. «القرآن» (הקוראן) [النص الأصلي بالعبرية]. مشروع بن يهودا. ٢٠١٢-٠٥-١٣. https://benyehuda.org/read/1648 وقارن: «القرآن (אלקוראן) أو الكتاب (המקרא)، نُقل (נעתק) من اللغة العربية (מלשון ערבית) إلى اللغة (ללשון) [sic] وشُرح (ומבואר) على يد تسفي حاييم ريكندورف (צבי חיים רעקענדארף). ألمانيا، فولفغانغ غيرهارد، ١٨٥٧ [النص الأصلي بالعبرية]». ص ٣٠٧.
[٣] الغرانيق جمع غُرنوق، وهو طائر أبيض طويل العنق (كركي أو بجع). وفي التفسير التقليدي أن المشركين كانوا يشبّهون أصنامهم بهذه الطيور التي تعلو في السماء، لاعتقادهم أنها تقرّبهم من الله وتشفع لهم. ويختلف نص العبارة باختلاف الراوي. وبحسب ما جمعه الألباني (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، ط ٣، بيروت: المكتب الإسلامي، ١٩٩٦) وما جمعته الموسوعة الحديثية في الدرر السنية، فالصيغ الرئيسة هي: (أ) الأقصر، عن ابن عباس: أنهنَّ الغرانيقُ العُلى، من ثلاث طرق كلها ضعيفة؛ (ب) عن سعيد بن جبير (مرسل): تلك الغَرانيقُ العُلى وشفاعتُهنَّ تُرتَجى، وتُنسب هذه الصيغة أيضًا إلى ابن عباس؛ (ج) عن ابن عباس، بحسب العيني (عمدة القاري): تلْكَ الغرانيقُ العلى منْهَا الشَّفاعةُ تُرْتَجَى؛ (د) الأوسع انتشارًا: تلكَ الغَرانيقُ العُلَى وإنَّ شفاعتَهُنَّ لتُرتَجى، وتُنسب، في جملة من نُسبت إليهم، إلى سعيد بن جبير وابن عباس وأبي بشير الأنصاري (في ابن حجر، فتح الباري). وثمة فضلًا عن ذلك فروق صغرى: فأبو العالية يزيد ومثلُهنَّ لا يُنسى، والسدي يستعمل شفاعتُها بالمفرد، وعروة بن الزبير بالمذكر: وإنَّهنَّ لمن الغرانيقِ العلَى ، وإنَّ شفاعتَهم لتُرتجَى. وصيغة قتادة بن دعامة، بسند قوي إليه لكنه مرسل أو معضل، تقول:
إنَّ الآلهةَ التي تُدعَى ، إنَّ شفاعتَهنَّ لَتُرتَجى ، وإنها لَلغَرانيقُ العُلى
وفي روايته أن محمدًا «تمنّى» ألا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان تلك الكلمات. ويقابل عبارة إنَّ الآلهةَ التي تُدعَى في العبرية «האלים הנקראים»، وهو ما يدل بجلاء على آية وثنية. ولا ترد أي من هذه الصيغ في صحيحَي البخاري ومسلم، وإنما فيهما السجود المشترك عند تلاوة سورة النجم فحسب (بحسب ابن عباس، سجود «المسلمون والمشركون والجن والإنس»). وتُروى العبارة في كتب السيرة والتفسير، ومنها تفسير الطبري للآية ٢٢: ٥٢ (جامع البيان، تحقيق التركي، هجر، ج ١٦، ص ٦٠٣–٦٠٤). ويترجم غيّوم عبارة ابن إسحاق بما معناه «التي تُرتضى شفاعتها» (تُرتَضى). ويورد الطبري هذه الصيغة عن ابن إسحاق (ترجمة وات–ماكدونالد، ج ٦، ص ١٠٧–١١٢) وتُرتَجى عن أبي معشر، فتكون القراءتان كلتاهما موثقتين في المصنَّف نفسه. وأما ابن سعد فيُنظر في ترجمة حق، ج ١، ص ٢٣٧–٢٣٨.